Tuesday, September 12, 2006

In response, By Mona Fayad

لمــــاذا تثيـــر مقـــالـــة كـــل هــــذه الــــردود ؟
تجربتي بين الخطي والشفهي، بين اللبناني والعربي، بين هزيمتـ"ــــي" وانتصارهـــ"ــم"
منى فياض


عندما تأخذ مقالة مثل مقالة: "أن تكون شيعياً الآن" كل هذا الاهتمام والصدى، وتتلقفها الأيدي وشبكة الانترنت بمثل هذه الحماسة، وعندما تتوالى الردود عليها شفهية ومكتوبة أو مرسلة بالبريد الالكتروني او منشورة في المواقع الالكترونية، فإن هذا يلزمنا بأن نتوقف قليلاً لكي نتساءل عن اللماذا؟ عن الاسباب المتعددة، ربما الظاهر ومنها وغير الظاهر..

بداية لا بد من الاشارة الى ان الدعم الشفهي كان هو الغالب في معظم الاحيان كما انه جاء من مختلف الاماكن وخاصة من الداخل مباشرة وعبر اقنية شخصية وعبر تناقل المقالة او الاتصال من الخارج بالطبع.. بينما كان النقد، سواء توجه بشكل شخصي او علني وبصوت جهوري متعال موزعا الدروس، كان في معظمه من الدياسبورا اللبنانية او العربية أي المتنعمين بنعيم "الديموقراطيات الغربية الزائفة" هرباً من بلادهم التي يريدونها حرة ومقاومة لكن عن بعد فقط ومن دون مقابل سوى الكلام الحماسي... والدعم يأتي من مختلف الطوائف، الشيعي مثله مثل الآخرين وعندما أقول لماذا لا تعبرون عن ذلك اذن كتابة؟ تأتي الاجابة في منتهى الصراحة احياناً: انه لا يقدر على الاعلان عن رأيه!! هكذا!! بسبب مكان سكنه أو ما شابه.. كذلك الامر بالنسبة الى الطوائف الاخرى فهم ايضا لا يقدرون على ممارسة النقد العلني "كي لا نقع في فتنة طائفية". وفي هذا توصيف للداء وللدواء!!

السؤال الأول في هذا المجال: لماذا تثير مجرد مقالة كل هذه الردود؟ وما الذي يعنيه ذلك؟ ألا يعني ذلك فيما يعنيه أنها عبرت عن حقيقة ما قوية ولو مختلف عليها؟ وانها رفعت "صمام" الصمت والتكاذب والمداهنة؛ وأن ذلك تسبب بحصول تعدٍ وتجرؤ على الثوابت الجامدة والافكار المسبقة والاستلاب التي سادت في مجتمعنا؟
وهذا ما ينقلنا الى السؤال الثاني: ما هو دور السلاح هنا؟ وهل حقاً أن امتلاك فئة معينة هذا السلاح، ولو انه مقاوم وغير موجه الى الداخل، ألا يؤدي مجرد وجود السلاح بأيدي فئة معينة الى ممارسة نوع من الضغط؟ أو لنقل "الهيبة" الضاغطة.. وماذا ينتج عن ذلك؟ ومهما كانت مقاصد هذه الفئة شريفة ومقدسة (وخاصة لأنها مقدسة) ماذا يترتب على ذلك من أنواع من القمع العلني او المترسب او الضمني ولو بمعنى الاستلاب والامتثال للرأي السائد والمتغلب الذي يلجم ويمنع و"يخجِّل" الآخرين من حرية التعبير (الحقيقي) ومن الاعلان عن آرائهم، ما دام الأمر يتعلق بسلاح مقاوم، بسبب خضوعهم للفكر المهيمن وللذهنية المسيطرة والتي تقوم بتعبئتها وسائل متعددة ليس أقلها البروباغندا التي طالما اشتهرت بها المنطقة العربية والتي لا تعني أقل من ترداد شعارات ولازمات تحمل مواقف تحفظ غيباً ويتم تردادها، وتهدد الآخرين بتخوينهم ما يعني هدر الدم العلني والمكشوف أو المستتر والضمني لكل صاحب رأي مختلف!!

فهل دلت طريقة استقبال مجرد مقالة على "التسامح" (مع الاحتفاظ بحق نقاش المعنى السلبي لعملية التسامح نفسها والتي تفترض ضمنا وجود فئة أقوى من فئة أخرى فـ"تتسامح" مع وجودها بما يتضمنه ذلك من رفض أولي لهذه الفئة لكن يتم التسامح معها بكرم أخلاق تتمتع به الفئة المتسامحة!!) اذن هل يدل ذلك حقا على تقبل للآخر المختلف أم انه يعني عدم قدرتنا على قبول هذا الرأي الآخر المختلف؟؟
كتبت لي صديقة عربية انها معجبة بمدى حرية الفكر في لبنان، وهذا صحيح في جزء منه فقط، لكنه لم يتعمم بعد ولقد دفع اثنان من خيرة صحافيينا ومفكرينا حياتهما ثمنا لحرية فكرهما التي عدت تهوراً وتجرؤاً على كسر محرمات وتخطي حواجز..
ان ما هو مطلوب حقا في هذه المرحلة من أجل إعادة السلم الاهلي وتهدئة "الشوارع" المستفزة هو الانخراط في عملية حوار جاد وهادئ بعيدا عن الانفعالات المسيطرة والخوف المتبادل حول ما يجمعنا وما يفرقنا؟ وحول ما الذي نريده لبلدنا ولمستقبل اولادنا فيه؟ أي نظام وأي مستقبل وأي دور؟ فلا ينفرد أي طرف في فرض اي روزنامة...
ان كل ما أشير له أعلاه يرمي بثقله على مجتمعنا بجميع فئاته ويمنعه من النقاش العلني والصريح ومن تقويم التجارب التي نتعرض لها دورياً والتصارح حولها لكي نتعلم ونستفيد منها وهذا يستدعي اطلاق المخاوف الكامنة من أجل ضبطها فلن يفيدنا عدم الافصاح عنها في شيء.
فما الذي يمكن استنتاجه من كل هذه الضجة المثارة حول "الانتصار" في هذه الحرب؟ وما هي الحقيقة او المعنى المختبئ خلفها؟


الامثولة

لا شك ان ما حملته هذه الحرب الاخيرة شكّل امثولة واسطورة مؤسسة حقيقية في منتهى الاهمية للعالم العربي ولشعوبه المغلوبة على امرها والخاضعة للقمع والفقر والأمية، وهي: هدم اسطورة تفوّق اسرائيل المطلق أوعدم القدرة على غلبتها.
لقد برهنت الحرب ان اسرائيل نمر من ورق، آلة صمّاء من دون دماغ يعقل صممت لتوزيع العنف ولممارسة الحرب عن بعد دون الاستعداد للقيام بأي تضحية بشرية وأن حياة الآخرين (العرب) هي أقل قيمة ولا تعني لها أي شيء.. وان الارادة في المقاومة المحتضنة من محيطها قادرة على ان تتغلب عليها ولو بأدوات بسيطة (نسبياً) !! وهذا ما كان يمكن ان يحصل بالطبع لولا تضحيات وبطولات المقاومين المحضونين من اللبنانيين جميعهم وان بطرق مختلفة ومنوعة..

كما برهنت ردود الفعل على هذا الانتصار - الخاضع للنقاش بالطبع - عن مدى التهديد الذي تشعر به الجماهير العربية لوجودها الرمزي وعن عمق الجرح المنغرز في قلب ووعي المواطن العربي الذي لم يعتد سوى الهزائم والظلم. ولذا نجده يبحث عن نصر أي نصر وعن بطل لكي يمجده، وهذا ليس انتقاصا من اهمية ابطالنا بالطبع، لكنها محاولة لفهم وتفسير هذا التعطش للبطولة.. فشعوبنا لا تستطيع ان تعتمد على نفسها ولا تثق بقدرتها وتحتاج الى مخلص تعتمد عليه وتتبعه فهذا أكثر راحة للنفس ويعفي من التفكير والمسؤولية وإعمال الضمير الفردي الذي سرعان ما يصبح "شقياً" عندما ينوجد..

وعلى أهمية هذا العامل في استنهاض الشعوب العربية وفي حملها على استعادة ثقة مفقودة وعلى المساهمة في شفاء جروحها النفسية والروحية، يتساءل اللبناني ببساطة: ألم يسبق أن أعطي هذا الدرس نفسه في العام 2000؟ ألم يكن ذلك الموعد هو الانتصار الحقيقي؟ هل هناك قصور ما يعاني منه المواطن العربي لكي يحتاج الى ان يكرر له هذا الوطن الصغير الدرس دورياً ويعيده هو نفسه لكي يحفظه ويغيبه ولكي يقدر على القيام بتطبيقه (عند توفر شروط المقاومة بالطبع وليس اقلها الحصول على كرامة العيش في الوطن نفسه وعلى احترام حقيقي للذات البشرية) فيثأر لكرامته المثلومة؟؟؟
هل نحتاج الى تدمير لبنان دورياً للمساهمة بتحرير فلسطين ولإقناع العالم بحق الشعب الفلسطيني المطلق في الحصول على دولته الديموقراطية وفي الحد من الدعم اللامتناهي الذي تقدمه الولايات المتحدة لإجرام الدولة الإسرائيلية وغطرستها وعنصريتها؟ هل نحتاج الى هدم دوري للنموذج الديموقراطي النادر في العالم العربي لكي نحصل على تعميم لهذا النموذج نفسه؟ الا يشكل هذا تناقضاً
صارخاً ونوعاً من الخُلف بالمعنى الفلسفي؟
ومتى سوف يعي المثقف العربي - الشديد الحماسة للنضال عن بعد وعلى حساب غيره - ان تحرير فلسطين لا يتطلب أقل من تحرير الانسان العربي من الاحباط والفقر والأمية والعبودية والخضوع للانظمة القمعية واللاديموقراطية؟ ما يعني إعطاء الاولوية للجهاد الاكبر على الجهاد الاصغر!!

ويسأل اللبناني: هل يمكن ان نترك وحدنا لكي ندفع دورياً كلفة مقاومتنا مثل هذا الثمن الذي اذا ما قمنا باحتساب نسبة كلفته من القتلى، بدم بارد، الى نسبة عدد السكان والنتيجة الحاصلة على الصعيد اللبناني؟ ماذا نستنتج؟ ألن يكون ثمن "مقاومة" الاطراف العربية الاخرى لتحرير انفسهم من انظمتهم ومن العدو الاسرائيلي اقل كلفة – نسبيا- بما لا يقاس واكثر فاعلية اذا كانت العبرة بالاعداد الكمية!!!! على قدر الحماس والانفعال؟!

ولكي لا نختلف على معاني الكلمات ونتخابث حول مغازيها ولكي لا نتسرع في اطلاق شهادات الوطنية وحسن السلوك أو الخيانة والعمالة لنتفق على بعض الثوابت التي لا خلاف حولها:
في المسلمات البديهية: الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين هو "الجريمة الاصلية" وهو أحد الاسباب الجوهرية لكل التردي والعنف الحاصل في المنطقة. انه العنف المؤسس الحقيقي، وأن ممارسات الدولة الصهيونية الاجرامية والوحشية واستخدامها منطق القوة والبطش كوسيلة وحيدة للتعامل مع شعوب المنطقة وعدم مراعاتها لأي من المواثيق او الاعراف الدولية هي في أصل كل الحروب والنزاعات في المنطقة.
كما أن الموقف الاميركي المنحاز بشكل مطلق لإسرائيل والداعم لها في جرائمها والمتواطئ في حمايتها من أي مساءلة هو أحد أهم عوامل إبقاء الصراع على ما هو عليه.. كذلك الأمر شكل ويشكل الدعم الاميركي للانظمة العربية المستبدة اصل التدهور الحاصل على صعيد الامن، الأمن بالمعنى العميق وليس العسكري فقط، وهو الذي يتسبب بتخلف المنطقة بشكل جوهري وبعيد الأثر على صعيد التأخر في النمو وكل ما ينتج عن ذلك من مشاكل..

في المسلمات المحتاجة الى إعادة النظر: تأجيل النقاشات وممارسة النقد والنقد الذاتي الى أن ينجلي غبار المعارك. كذلك وضع مسألة قداسة أي سلوك يتنافى مع الاحترام الحقيقي والعميق للحياة البشرية موضع التساؤل. وهنا علينا ان نتعلم من ممارسات العدو الديموقراطية وعدم الشماتة بهم لكونهم يمارسون هذا النقد وأن لا نعد هذا تفسخاً وتخاذلاً...
الاقلاع عن فكرة قبول كل ما لا تقبل به اسرائيل ورفض كل ما تقبله من اجل إمعان النظرفي مصالحنا الحقيقية والكف عن استخدام كليشيهات صارت مبتذلة تعتمد التصنيفات نفسها حول الوطنية والمقاومة وكل ما يتبع. اسرائيل في حالة تراجع وانكفاء وهذا مفهوم وواضح. يكفي انسحابها من لبنان وبنائها الجدار الانعزالي لكي نقدر ما تريده.. لكن ذلك لا يعني تهديم لبنان على رؤوس ابنائه مقابل اثبات ذلك.

في معنى المقاومة ومعنى التحرير!!: السؤال الجوهري الذي علينا أن نطرحه على أنفسنا، خاصة عندما نتناول وضع الدولة اللبنانية والمجتمع اللبناني والمؤسسات وعن مدى ديموقراطيتها.. وخاصة عندما يضعها البعض الآن موضع تساؤل متهكما – في نزعة ثورجية أو انقلابية - حول ضرورة الحفاظ على هذه الدولة الفاسدة والمفككة وكل ما نعرفه من ذرائع..
اذن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن نوجهه الى أنفسنا هو: لماذا برزت المقاومة الحقيقية في لبنان فقط وليس في سوريا مثلاً مع وجود الاحتلال نفسه؟ (دون ان يعني ذلك اغفال مساعدة النظامين السوري والايراني لدعم هذه المقاومة)... لكن لماذا لم يكن هناك مقاومتان مثلاً؟ واحدة لبنانية واخرى سورية؟
بمعنى آخر هل كان يمكن بروز مقاومة حقيقية الا في الظروف اللبنانية الخاصة والمعروفة من وجود مجتمع تعددي ومنفتح ويميل الى ممارسة حريته في التعبير، وديموقراطي حقيقي - ولو أضفنا اليها نسبيا – فليس هناك وصفة جاهزة وجامدة لـ"الديموقراطية" بل هي ممارسة تختلف مواصفاتها باختلاف الظروف المحيطة. افلا يعني ذلك ان اي جنوح نحو تغيير الوضعية الجوهرية التي انبثقت عنها المقاومة – وهي بدأت وطنية عامة ونعرف دور عهد الوصاية في حصرها في جهة واحدة فقط نرى الآن احدى نتائجها التي لم تكن واضحة في حينه!- الا نكون نجري تغييرا في الشروط نفسها التي انتجت هذه المقاومة!! أوليس في هذا خُلف أيضاً وتناقض جوهري؟
الا يعني الاخلال بقواعد هذا التوازن الدقيق والهش ومحاولة تغيير مقومات الديموقراطية اللبنانية خاصة المساهمة في القضاء على أحد أسباب انبثاق ووجود المقاومة نفسها؟؟

في معنى النصر ومعنى الصمود: عندما ننظر كيف تعاملت شعوبنا مع ما حصل في حرب الـ 33 يوماً ندرك كم أن معاييرنا متساهلة وتعبر عن نظرتنا الى انفسنا وعن القيمة التي نعطيها للفرد العربي أو عن هواننا بمعنى آخر!! وتعبر عن مدى افتقادنا الى الحس النقدي والى القدرة على اتخاذ مسافة من الذات ومن الاحداث لكي ننظر الى الامور بشكل محايد مما يزيد من قدرتنا على التقويم الافضل.
عدّ الصمود – البطولي والاسطوري لا شك في ذلك- انتصار كبير.. وليسمح لنا هنا ان نطرح بعض التساؤلات: هل يحتاج المنتصر الى كل هذه الجلبة والى صرف كل هذه الطاقة لكي يثبت انتصاره وقبل أن ندفن الموتى ونقيم حدادنا عليهم؟ واذا كان هذا انتصاراً فما هي شروط الهزيمة اوعلى الأقل عدم المبالغة في "الانتصار"؟؟ ومتى تعلن الدول هزيمتها؟ عندما يبقى لديها سلاح ورجال قادرون على القتال ام عندما تتعرض بلدانها للتهديم وبشرها للتقتيل؟ لماذا أعلنت اليابان هزيمتها بعد تعرضها للقنبلة الذرية؟؟ هل لافتقادها لأي مقاتل او أي سلاح؟
اسأل نفسي لماذا نقوم بذلك؟ اليس لأننا ننظر الى انفسنا "كغير قادرين" في الأصل؟ فنتساهل في المعايير المستخدمة للتقويم عند أقل انتصار، متساهلين مع الذات فقط لاثبات كفاءتنا؟ ونكون هكذا نقبل على أنفسنا بأن نتعامل بحسب معايير العدو نفسه في نظرته الينا وفي نظرته الى نفسه؟ قتيل واحد اسرائيلي يعادل مائة واحد عربي؟ ألف ؟ لا أهمية للأرقام هنا انها مجرد كمية!! سجين واحد اسرائيلي نريد ان نستبدل به مئات؟ لماذا نقبل بهذه المعايير التي تفترض وتعني
دونيتنا وهواننا وليس غير؟ وقيمتنا الأقل؟؟
وهذا لا يعني ان إسرائيل انتصرت، انها مهزومة بالطبع، لكن لنقبل فكرة انه في الحروب يكون الجميع مهزومين ولنكف عن الصراخ بأننا انتصرنا. صمدنا نعم وهذا جدير بأن يؤخذ بعين الاعتبار، ولنسم الأشياء بأسمائها..


ثمن للانتصار

نقرأ ونسمع عن ان انتصار المقاومة هذا يستدعي إعادة توزيع في موقعها في السلطة، لست ضد أي إعادة توزيع للسلطة بشكل ديموقراطي وحقيقي وعبر المؤسسات الدستورية التي تعبر عن مواقف المواطنين الحقيقية، لكني أتساءل، أنا التي طالما نظرت الى المقاومة كمثال ونموذج للتضحية وللسلوك الاطيقي ولعدم استغلال سلاحها في الداخل وخاصة لمآرب شخصية، اسأل نفسي: هل حقاً تطلب المقاومة الان ثمنا لهذا الانتصار عبر تمثيل أفضل في الحكومة؟ وهل كانت الحرب من أجل ذلك في احد جوانبها؟ كل هذا الدمار من اجل تحسين مواقع؟؟ لقد حصل أخيراً اعتراف بآلام البشر(حيث كان يمكن الاستغناء عنها كما يبدو)، البشر الذين كانوا في آخر سلم الأولويات في هذه الحرب.
لذا استغرب الآن أن هناك من يطالب بثمن لما حصل او للدعم الذي ساعد عليه، وكيف ذلك؟ بمطلب تغيير الحكومة مكافأة للمساعدة التي قدمها العماد عون لـ"حزب الله". ولست هنا في معرض تقويم مدى صوابية المطالبة بهذا التغيير في لحظات مصيرية مثل هذه ومدى الحكمة فيها، لكن ما أود الاشارة اليه يتعلق باستخدام ذريعة الديموقراطية لتبرير الطلب هذا!! اين الديموقراطية في ان نفرض مكافأة لمن ساندنا؟ وهنا يتم السؤال باسم من وباسم أي أوالية يطلب ذلك؟ وهل انه يفترض انزال عقوبة بمن لم يفعل ما فعله الجنرال؟ وهل تمخضت الحرب ودمارها عن مطلب لاكتساب مقعد وزاري أو أكثر؟ ويكون هكذا ثمن هدم المنزل حفنة من الدولارات وثمن الدعم المرضى عنه مقعد وزاري، فماذا عن ثمن الاستشهاد والشهداء بعد ان نكون تفرغنا لمعرفة أعدادهم بدقة؟
هل هذا سلوك ديموقراطي حقاً؟ أم أنه أقرب الى السلوك الامبراطوري او على الأقل الإقطاعي؟ هل نغير حكومة باسم المكافأة أوالعقاب؟ وما دور مؤسساتنا الاشتراعية في تقرير ذلك؟ ما هو دور هذه القوى في تهدئة الشارع وفي تهدئة مخاوف القوى المتعددة حفظاً لحد أدنى من الوحدة في هذه اللحظات الحرجة؟

• • •

لا شك اننا في مرحلة مصيرية وان أي خطأ في التقدير يجرنا الى ما لن يكون في مصلحتنا كمواطنين في وطن نريده حراً حقا وسيداً حقاً، ديموقراطي أولاً وبالتالي غير طائفي... لذا يستدعي ذلك ممارسة أقصى الشفافية من الحكومة بدعم من رئيسها وبدعم من مجلس النواب وبدور خاص من رئيس المجلس.. لتنفيذ بعض الخطوات التي قد تساهم في احداث تغيير من أجل طمأنة اللبنانيين الى ما ينتظرهم من الطبقة السياسية وهل سوف تكون على قدر المهام الجسام الملقاة على عاتقها؟ وهل سوف تلبي بعض طموحات من لم يهاجر من جيلها الشاب!!
وكنوع من أمثلة لما هو مطلوب منها القيام به بجرأة ومن دون استئذان: فلماذ لا يتم الآن اعتماد مشروع القانون الانتخابي – الذي لا يرضي احداً ما يعني انه الأفضل ربما؟

لماذا لا تتجرأ الحكومة على اصدار قانون اختياري للاحوال الشخصية؟ لماذا لا يوعز للوزير المختص الى الغاء الاشارة الى طائفة ومذهب اللبناني على قيد النفوس؟ ألا نريد وطناً معافى من الطائفية؟ فلنثبت ذلك الآن على الأقل.. نحن الآن بحاجة الى مثل هذه الخيارات الديموقراطية حقا والمصيرية وهذا لكي نقنع المواطن اللبناني بأن هذه الحرب ساعدت على الاقل في تطوير قوانيننا وانظمتنا وساهمت في جعلنا مواطنين نرجو ان نكون على قدم المساواة امام دولة تنظر الينا كمتساوين امام القانون وليس داخل طوائفنا وجماعاتنا وسواهم..
تماما مثلما نرجو ان لا تذهب تضحيات اللبنانيين سدى فتكون حسنة هذه الحرب على الأقل انها قد تكون وضعت أولى دعائم سلم حقيقي عبر البدء بمباحثات سلام حقيقية تعطي للفلسطينيين دولتهم الديموقراطية.. وإلا فلا عزاء لأحد...

أستاذة في الجامعة اللبنانية
monafayad@hotmail.com
Post a Comment